اسماعيل بن محمد القونوي
17
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو هم كفرة ملعونون ) أي مخذولون مسلوب إدراكهم الحق واستماعه وإبصاره وإذا كان الأمر كذلك ( فمن أين لهم دعوى العلم ) مع أنهم جاهلون مركبا لا يرجى زواله إلا بعناية من اللّه تعالى قوله ( والاستغناء عنك ) أي عما تقوله وتبلغه من العلم والحكم وهذا ناظر إلى الوجه الثالث . قوله : ( فقليلا ما يؤمنون ) الفاء للسببية فإن خذلان اللّه تعالى سبب لذلك . قوله : ( فإيمانا قليلا يؤمنون وما مزيدة للمبالغة في التقليل ) أي أن قليلا مفعول مطلق ليؤمنون بتقدير موصوف قدم على عامله لرعاية الفاصلة قيل وإنما لم يجعله من صفة الأحيان كما في قوله تعالى : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [ الأعراف : 10 ] لأنهم لم يؤمنوا قط وهذا مشكل إثباته الأولى لأنهم لم يعرف إيمانهم إلا أن يقال إن المراد بهم كفرة مخصوصون علم اللّه تعالى أنهم لا يؤمنون وهذا غير معلوم أيضا ولم يجعل ما نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها « 1 » وجوز كونها نافية ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وقتادة بناء على جواز تقدمها في حيزها عليها وهو مذهب الكوفيين وأما الإشكال بأنه لو كانت نافية لكان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن كثير لكن ربما يوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا فبعيد غاية البعد لأنه مع عدم مساعدة الاستعمال لا يلائم مقام الذم إذ الكلام مسوق لبيان غاية جهالتهم واستقباح حالهم فلا مفهوم حينئذ عند من يقول به فضلا عن المنكرين فكيف يخطر بالبال في نفي الإيمان القليل الإيمان الكثير في تقرير مثالبهم ولذا مال إلى كونها نافية رئيس المفسرين وأما المصدرية فلا مجال لها لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ والتقدير فإيمانهم قليل مع أنه منصوب وأما القول بأن قليلا منصوب حينئذ بنزع الخافض أي إيمانا بقليل مما في كتابكم فتكلف لا يحسن ارتكابه في النظم الكريم ما لم يكن داع إلى ذلك . قوله : ( وهو إيمانهم ببعض الكتاب ) يعني الفداء كما مر في قوله تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ [ البقرة : 85 ] وهذا يمنع كون ما نافية أيضا وأنت تعلم أن هذا الإيمان كلا إيمان فإن حمل على الإيمان بالمعنى اللغوي فإيمانهم متحقق لغة ومنتف شرعا فلا فائدة في حمله عليه مع أن قوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 151 ] بعد حكاية قولهم نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] يدل على أن المراد الإيمان الشرعي ولو سلم أنه الإيمان اللغوي فغير معتبر في الشرع . قوله : وما زائدة قال أبو البقاء ما زائدة وقليلا صفة مصدر محذوف أي فإيمانا قليلا ما يؤمنون وقيل صفة لظرف أي فزمانا قليلا ما يؤمنون ورد بأنهم لم يؤمنوا قط ولا يجوز أن تكون ما مصدرية لأن قليلا لا يبقى له ناصب وقيل نافية وفيه ضعف لتقدم معموله في حيز ما النافية عليها .
--> ( 1 ) وسره أن ما مشبهة بليس فجاز أن يتقدم عليها معمول ما بعدها كليس على ما نقل عن الشيخ ابن الحاجب لكن كون ما في هذه الآية على تقدير كونها نافية مما يشبه بليس محل تأمل .